الوعظ واللاهوت

مشكلة الكثير من الوعظ اليوم.. واللاهوت الكتابي هو الحل

مقالة
11.27.2022
  • التشخيص: مشكلة الكثير من الوعظ اليوم (الجزء الأول).
  • التعليم: ما هو علم اللاهوت الكتابي؟ (الجزء الثاني).
  • التوجيه: كيفيَّة تقديم اللاهوت الكتابي عند الوعظ (الجزء الثالث).

التشخيص: مشكلة الكثير من الوعظ اليوم (الجزء الأول)

رُبَّما تكون المعركة من أجل عقيدة عصمة الكتاب المقدَّس قد رُبِحَت داخل رابطة الكنائس التي أنتمي إليها (the Southern Baptist Convention – المجمع المعمداني الجنوبي)، ومع ذلك لا ينبغي علينا نحن، ولا على الطوائف أو الكنائس الإنجيليَّة الأخرى التي قد رَبِحَت معارك مماثلة، أن نَتَعجَّل في تهنئة نفوسنا؛ فالكنائس المحافظة قد تؤمن بعصمة الكتاب المقدَّس، لكنها على الجانب العملي لا تزال تُنكِر كفاية كلمة الله؛ قد نقول إنَّ الكتاب المقدَّس هو كلمة الله المعصومة من الخطأ، ومع ذلك لا ننادي بها جِدِّيًّا من على منابر كنائسنا.

في الواقع، هناك مجاعة لكلمة الله في العديد من الكنائس الإنجيليَّة اليوم؛ فهناك سلاسل من العظات تَضُم في عناوينها أسماء برامج ومسلسلات تليفزيونيَّة، مثل: Gilligan’s Island – Bonanza – Mary Tyler Moore (وهي مسلسلات تليفزيونيَّة شهيرة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة –المترجم). وغالبًا ما يُركِّز الوعظ على خطوات الزواج الناجح أو على كيفيَّة تربية الأولاد في مجتمعنا وثقافتنا. إنَّ العظات المتعلِّقة بقضايا الأسرة هي بالطبع أمرٌ ملائم ومطلوب لكن غالبًا ما تطفو على السطح مشكلتان مصاحبتان: الأولى هي أن ما يقوله الكتاب المقدَّس فعليًّا بشأن هذه الموضوعات في أغلب الأحيان يتم إهماله؛ فَكَمْ عدد العظات بخصوص الزواج التي تعرض بأمانة ولجاجة ما يقوله الرسول بولس فعليًّا عن دَوْرَي الرجل والمرأة (أفسس ٥: ٢٢–٣٣)؟ أم أنَّنا نخجل ممَّا يقوله الكتاب؟

أما المشكلة الثانية، ورُبَّما الأكثر خطورة، هي أنَّ تلك العظات تقريبًا دائمًا ما تُقَدَّم على المستوى الأفقي، بمعنى أنَّها تُصبِح الغذاء الأساسي لشعب الكنيسة كل أسبوع، أما النظرة اللاهوتيَّة للحياة والعالم المنتشرة في كل أرجاء كلمة الله، والتي تُعطي الأساس لكل الحياة، يتم تجاوزها في صمتٍ. يتحوَّل رُعاتنا في الواقع إلى مُعَلِّمين أخلاقيِّين، مثل “Dear Abby” أو “عزيزتي آبي”،[1] يُقَدِّمون النصائح الأسبوع تِلْو الآخر عن كيفيَّة عَيْش حياة سعيدة.

لا يدرك العديد من شعوب الكنائس ماذا يحدث؛ لأن الحياة الأخلاقيَّة التي يُوصِي بها هذا النوع من الوعظ تتَّفق -حتى لو بشكل جزئي على الأقل- مع الكتاب المقدَّس، ويُخاطِب هذا الوعظ الاحتياجات التي يشعر بها كُلٌّ من المؤمنين وغير المؤمنين.

يعتقد القساوسة أيضًا أنَّهم يجب أن يملَؤوا عظاتهم بالقصص والأمثلة بحيث تُوضِّح تلك المواقف والنوادِر اللطيفة النقطة الأخلاقيَّة المعروضة. سيستعين كل واعظ جيِّد بالقصص والأمثلة التوضيحيَّة، لكن قد تصبح العظات مُكْتَظَّة بالقصص بحيث تكون مُجَرَّدة تمامًا من أي لاهوت.

لقد سمعتُ إنجيليِّين يقولون على نحوٍ متكرِّر بعض الشيء إنَّ الكنائس الإنجيليَّة تعمل بشكل جيِّد فيما يتعلَّق باللاهوت؛ فشعوب تلك الكنائس لا تشتكي بخصوص ما نُعَلِّمها إيَّاه. يُعَدُّ هذا التعليق مُخيفًا إلى حدٍّ كبير؛ فنحن القسوس نتحمَّل مسؤوليَّة الإخبار “بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ” (أعمال الرسل ٢٠: ٢٧)، ولا يمكننا الاعتماد على استفتاء شعب الكنيسة لكي يُقَرِّر ما إذا كُنَّا نُتَمِّم دعوتنا، بل يجب علينا الاعتماد على ما يطلبه الكتاب المقدَّس؛ فقد يكون الحال هو أن شعب كنيسةٍ ما لم يتعلَّم قط كلمة الله على نحوٍ جِدِّيّ؛ ومن ثَمَّ فهذا الشعب ليس على دراية بمناطق قصورنا وفشلنا كقسوس.

يُحَذِّرنا الرسول بولس من أنَّه “سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ” (أعمال الرسل ٢٠: ٢٩)، وفي مكانٍ آخر يقول إنَّه “سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ” (٢ تيموثاوس ٤: ٣–٤). فإذا كُنَّا نُقَيِّم وعظنا بناءً على ما تشتهي شعوب كنائسنا أن تسمعه، فقد نكون بذلك كَمَنْ يُحضِّر وصفة الهرطقة. أنا لا أقول إنَّ شعوب كنائسنا هَرَاطِقَةٌ، وإنَّما أقول إنَّ كلمة الله هي التي يجب أن تكون اختبار الأمانة لا الرأي العام. إنَّ دعوة الرعاة هي إطعام القطيع بكلمة الله، لا إرضاء الناس بما يشتهون أن يسمعوه.

في الكثير جدًّا من الأحيان يحصل شعوب كنائسنا على تدريبٍ سيِّئ على يد أولئك الذين يعظون مِنَّا. فَكِّرْ فيما يحدث عندما نُطعِم شعب كنيسةٍ ما بغذاء منتظم من الوعظ الأخلاقي؛ فقد يتعلَّمون أن يكونوا لطفاء ومتسامحين ومُحِبّين، وأزواجًا صالحين أو زوجاتٍ صالحاتٍ (وبالطبع هذه جميعها أشياء جميلة!)، وقد تصبح قلوبهم أكثر دِفئًا وحتى قد تُبنَى، ولكن طالما أن الأساس اللاهوتي مُهمَل، فإنَّ ذئب الهرطقة يَكمُن عن كَثَبٍ أكثر من أي وقتٍ مضى، وكيف ذلك؟ ليس لأن القس نفسه مُهرطقٌ، فقد يكون هذا القس في منتهى الاستقامة والأمانة من ناحية لاهوته الخاص، إلَّا أنَّه يلبس لاهوتًا آخر في كل وعظه، وبذلك يُهمِل أن يعظ شعبه بقصة الكتاب المقدَّس ولاهوته.

وبناءً على ذلك ففي الجيل أو الجيلَيْنِ التاليَيْنِ قد يدعو شعب تلك الكنيسة بغير قصدٍ وعن عدم علمٍ قِسًّا أكثر ليبراليَّة، وهذا القس الجديد سيعظ أيضًا بأنَّ الناس ينبغي أن يكونوا صالحين ولطفاء ومُحِبّين، وسيُشَدِّد أيضًا على أهميَّة الزواج الجيِّد والعلاقات الفعَّالة. والشعب الجالس على المقاعد في الكنيسة قد لا يستطيع حتى أن يُمَيِّز الاختلاف، إذ إنَّ اللاهوت المُقَدَّم يبدو مُشابِهًا تمامًا للاهوت القس المحافظ الذي سَبَقَه، وبشكلٍ من الأشكال يرجع ذلك إلى أنَّ القس المُحافِظ لم ينادِ قط بلاهوته أو يَعِظه. آمَنَ القس المحافظ بعصمة الكتاب المقدَّس لكنَّه لم يؤمن بكفايته، لأنه لم يُخبِر شعب كنيسته بكل ما يُعَلِّمه الكتاب المقدَّس.

يطفو جهلنا باللاهوت الكتابي على السطح باستمرار. تَبرُز في ذهني حادثتان في السنوات العشر الأخيرة (واحدة منهما كانت في استاد كبير لمُتكلِّم لا أستطيع تَذَكُّر اسمه) دعا فيهما المتكلِّم الناس ليأتوا إلى الأمام. كان القصد من عظة الاستاد أن تكون عظة كرازيَّة، لكن يمكنني أن أقول بأمانة إنَّ الإنجيل لم يُعلَن على الإطلاق؛ فلا شيء قيل عن المسيح المصلوب والمُقام أو عن سبب صلبه وقيامته، ولا شيء قيل عن السبب في أنَّ الإيمان يُخلِّص وليس الأعمال. وتَقَدَّم الآلاف إلى الأمام، وبلا شكٍّ قد كُتِبوا مُخَلَّصين بناءً على ذلك. لكنَّني حَكَكْتُ رأسي وتساءلت عمَّا كان يحدث حقًّا، وصلَّيتُ من أجل أن يكون بعضٌ منهم على الأقل قد اهتدوا حقًّا، رُبَّما لأنهم كانوا بالفعل على دراية بمحتوى رسالة الإنجيل من خلال سماعها قبلًا في مناسبات أخرى. كان الأمر كذلك أيضًا في أثناء اجتماع كنيسةٍ زُرتُها، فقد قَدَّم الواعظ دعوةً مؤثِّرة للحاضرين أن “يتقدَّموا للأمام” و”يَخلُصوا”، لكنَّه لم يُقَدِّم أي شرح للإنجيل!

قد يملأ مثل هذا الوعظ كنائسنا بأناسٍ غير مُهتَدِين، والذين يُشَكِّلون خطورة مُضَاعَفة: لقد أكَّد لهم القسوس أنَّهم اهتدوا ولا يمكنهم أبدًا أن يفقدوا خلاصهم، لكنَّهم في الواقع ما زالوا ضالِّين. ثم من ذلك اليوم فصاعدًا يَحُضُّ القسوس نفس هؤلاء الأشخاص أسبوعًا بعد أسبوع بإنجيلنا الجديد لأزمنة ما بعد الحداثة التي نحن فيها: كُنْ لطيفًا.

التعليم: ما هو علم اللاهوت الكتابي؟ (الجزء الثاني)

إنَّ حل مشاكل الوعظ السطحي الموصوف في الجزء الأول من هذا المقال هو حقًّا بسيط إلى حدٍّ كبير، وهو أنَّه يجب أن يتعلَّم القسوس كيف يستخدمون علم اللاهوت الكتابي في وعظهم. غير أنَّ تَعَلُّم كيفيَّة القيام بذلك يتطلَّب مِنَّا أن نبدأ أوَّلًا بالسؤال: ما هو علم اللاهوت الكتابي؟

علم اللاهوت الكتابي في مقابل علم اللاهوت النظامي

يُرَكِّز علم اللاهوت الكتابي على القصَّة الكتابيَّة، وذلك بِخِلاف علم اللاهوت النظامي.

يُعَدُّ علم اللاهوت النظامي، على الرغم من تَأثُّره بعلم اللاهوت الكتابي، علمًا غير زمني، أي لا علاقة له بالزمن. يجادل دون كارسن (Don Carson) بأنَّ علم اللاهوت الكتابي

يقف قريبًا من النص الكتابي أكثر من علم اللاهوت النظامي، ويهدف إلى تحقيق حساسية حقيقيَّة فيما يتعلَّق بتَمَيُّز كل مجموعة من الكتابات، ويسعى إلى ربط المجموعات المتنوِّعة من الكتابات ببعضها البعض مستخدمًا أقسامها الخاصَّة. لذلك، ومن الناحية المثاليَّة، يُمَثِّل علم اللاهوت الكتابي نوعًا من العلم الوسيط بين التفسير النصِّي المسؤول، واللاهوت النظامي المسؤول (على الرغم من أنَّ كُلَّ واحدٍ من تلك العلوم يؤثِّر في الاثنَيْنِ الآخرَيْنِ لا محالة).[2]

وبكلماتٍ أخرى، يُقَيِّد علم اللاهوت الكتابي نفسه على نحوٍ أكثر تَعَمُّدًا برسالة النص أو مجموعة الكتابات قيد الدراسة؛ فهو يسأل عن ما هي الموضوعات المركزيَّة بالنسبة لكُتَّاب الكتاب المقدَّس في إطار السياق التاريخي الذي كانوا موجودين فيه، ويحاول أن يُمَيِّز الترابط والتلاحم بين هذه الموضوعات. يُركِّز علم اللاهوت الكتابي على قصَّة الكتاب المقدَّس، أي على تَكَشُّف خطَّة الله على مَرِّ تاريخ الفداء. وكما سننظر بعناية أكبر في الجزء الثالث من هذا المقال، هذا يعني أنَّنا ينبغي أن نُفَسِّر، ثم بعد ذلك نَعِظ كل نص كتابي في سياق علاقته بالقصَّة الكاملة للكتاب المقدَّس.

أمَّا علم اللاهوت النظامي، على الناحية الأخرى، فيطرح أسئلة على النص تعكس الأسئلة أو الاهتمامات الفلسفيَّة الخاصة باليوم. يمكن لعلماء علم اللاهوت النظامي أيضًا -من أجل غاية صالحة- أن يتفحَّصوا موضوعاتٍ موجودة ضمنيًّا في كتابات الكتاب المقدَّس لكنها لا تحظى باهتمام مستمر في النص الكتابي، إلَّا أنَّه يجب أن يكون واضحًا أنَّ أي علم لاهوت نظامي جدير بهذا الاسم يقوم بالبناء على علم اللاهوت الكتابي.

إن اللهجة المميَّزة لعلم اللاهوت الكتابي كما يُلاحِظ براين روسنر (Brian Rosner) هي أنَّه “يتيح للنص الكتابي أن يضع الخطَّةالمُتَّبَعة”.[3] يصيغ كيفن فانهوزر (Kevin Vanhoozer) الدور المحدَّد لعلم اللاهوت الكتابي حين يقول: “’علم اللاهوت الكتابي‘ هو اسم نهج تفسيري للكتاب المقدَّس يفترض أن كلمة الله موجودة نَصِّيًّا من خلال كلمات البشر المتنوِّعة أدبيًّا والخاضعة للتأثير التاريخي”[4] أو “لتوضيح هذا الادِّعاء على نحوٍ أكثر حسمًا، يتوافق علم اللاهوت الكتابي مع اتجاهات النصوص الكتابيَّة نفسها”.[5]

يُعَبِّر كارسِن جيِّدًا عن إسهام علم اللاهوت الكتابي:

لكن من الناحية المثاليَّة فإنَّ علم اللاهوت الكتابي كما يوحي اسمه، حتى وهو يعمل بشكل استقرائي من نصوص الكتاب المقدَّس المتنوِّعة، يسعى إلى كشف وصياغة وحدة كل النصوص الكتابيَّة مجتمعة، لاجِئًا في المقام الأول إلى أقسام تلك النصوص نفسها. وبهذا المعنى يكون علم اللاهوت الكتابي علم لاهوت كتابي قانوني (أي خاص بكل الأسفار القانونيَّة للكتاب المقدَّس)، أي علم لاهوت كتابي خاص بـ “كل الكتاب المقدَّس”.[6]

قد يَحِدُّ اللاهوت الكتابي نفسه في لاهوت سفر التكوين أو أسفار موسى الخمسة أو إنجيل متَّى أو رسالة رومية أو حتى كل كتابات بولس، ومع ذلك قد يفهم اللاهوت الكتابي أيضًا قانون الكتاب المقدَّس بالكامل الذي فيه تتكامل قصَّة الأسفار المقدَّسة القائمة كلها كوحدةٍ واحدة. في الكثير جدًّا من الأحيان يَحِدُّ الوُعَّاظ التفسيريُّون أنفسهم في سفر اللاويين أو إنجيل متَّى أو سفر الرؤيا دون النظر إلى المكان الذي يستقرُّون فيه في قصَّة تاريخ الفداء، فإنهم يعزلون جزءًا من الكتاب المقدَّس عن جزء آخر. ومن ثَمَّ يعظون بشكلٍ مبتورٍ بدلًا من الإخبار بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ. إنَّ جيرهارد هازل (Gerhard Hasel) مُحِقٌّ في تعليقه بخصوص أنَّنا بحاجة إلى تقديم اللاهوت الكتابي بطريقةٍ “تسعى إلى إنصاف كل أبعاد الواقع الذي تشهد له النصوص الكتابيَّة”.[7] إنَّ تقديم مثل هذا اللاهوت ليس فقط مُهِمَّة أساتذة اللاهوت، وإنَّما هو مسؤوليَّة كل واعظ بالكلمة!

دعونا نفكِّر مرَّة أخرى في الاختلافات بين علم اللاهوت النظامي وعلم اللاهوت الكتابي، والتي يرسم كارسن الطريق لفهمها.[8] يأخذ علم اللاهوت النظامي في الاعتبار إسهام علم اللاهوت التاريخي، ومن ثَمَّ يُنَقِّب فيما قَدَّمَه أوغسطينوس وتوما الأكويني ولوثر وكالفن وإدواردز وآخرون لا حصر لهم، في صياغة تعليم الكتاب المقدَّس. يحاول علم اللاهوت النظامي أن يتحدَّث بكلمة الله مباشرة إلى محيطنا الثقافي وإلى يومنا هذا. فمن الواضح إذًا أنَّه يجب على أي واعظ جيِّد أن يكون مُتَعَمِّقًا ومُتَأَصِّلًا في علم اللاهوت النظامي حتى يحمل لمعاصريه كلمةً عميقةً ومؤثِّرة.

أمَّا علم اللاهوت الكتابي فهو استقرائي وتأسيسي بشكل أكبر. فكارسن مُحِقٌّ في قوله إنَّ علم اللاهوت الكتابي هو “علمٌ وسيط” في حين أن علم اللاهوت النظامي هو “علمٌ نهائي”. يمكننا القول إذًا إنَّ علم اللاهوت الكتابي هو وسيطٌ يعمل كجسر بين الدراسة التاريخيَّة والأدبيَّة للكتاب المقدَّس وبين اللاهوت العقائدي (أو النظامي).

يعمل علم اللاهوت الكتابي إذًا من النص الكتابي في إطار السياق التاريخي لذلك النص، ولا يعني هذا أنَّ علم اللاهوت الكتابي هو مشروعٌ محايد أو موضوعي بَحْت. فالفكرة القائلة بأنه يمكننا أن نفصل بِدِقّة بين ما عَنَاه النص في سياقه التاريخي وبين ما يعنيه النص في المُطلَق، كما ادَّعى كريستر ستياندال (Krister Stendahl)، هي مجرَّد وهم. يقول سكوبي ما يلي عن علم اللاهوت الكتابي:

تتضمَّن افتراضاته المُسبَقة، والمبنيَّة على التزام إيماني مسيحي، الإيمان بأنَّ الكتاب المقدَّس ينقل إعلانًا إلهيًّا، وبأنَّ كلمة الله المُعلَنة في الكتاب المقدَّس تُشَكِّل معيار الإيمان المسيحي والحياة المسيحيَّة، وبأنَّ كُلَّ المادة المتنوِّعة الموجودة في كلا العهدين، القديم والجديد، تمتلك بطريقةٍ ما القدرة على أن تكون مرتبطة بخطَّة وقصد الله، الإله الواحد لكل الكتاب المقدَّس. يقف هذا اللاهوت الكتابي في مكانٍ ما بين ما “عَنَاه” الكتاب المقدَّس في السياق التاريخي لأحداثه وبين ما “يعنيه” في المُطلَق.[9]

يترتَّب على ذلك إذًا أنَّ علم اللاهوت الكتابي لا يقتصر على العهد الجديد فقط أو على العهد القديم فقط، بل أنَّه يَعتَبِر كلا العهدين معًا كلمة الله. يعمل علم اللاهوت الكتابي في الواقع انطلاقًا من فكرة أنَّ قانونيَّة الكتاب المقدَّس هي معياره؛ وهكذا فإنَّ كلا العهدين ضروريَّان لاستخراج لاهوت الكتاب المقدَّس.

الموازنة بين العهد القديم والعهد الجديد

في تقديم اللاهوت الكتابي نَجِد أنَّ هناك تفاعُلًا رائعًا بين العهد القديم والعهد الجديد. فالعهد الجديد يُمَثِّل ذروة تاريخ الفداء الذي كان قد بدأ في العهد القديم. ومن هنا فإنَّ علم اللاهوت الكتابي هو بالتعريف لاهوت سَرْدي إذ إنَّه يُصَوِّر قصَّة عمل الله الخلاصي في التاريخ. إنَّ هذا التَّكَشُّف التاريخي لما فعله الله قد يوصَف بأنَّه تاريخ الخلاص أو تاريخ الفداء.

مِن المُثمِر أيضًا أن ننظر للكتاب المقدَّس من منظور الوعد وإتمامه: الذي يَعِد الله به في العهد القديم يُتَمِّمه في العهد الجديد. يجب أن نحذر من محو الخصوصيَّة التاريخيَّة لإعلان العهد القديم بحيث نُسقِط السياق التاريخي الذي جاء فيه، ومن الناحية الأخرى يجب أن نُدرِك تَدَرُّج الإعلان من العهد القديم إلى العهد الجديد. إنَّ مثل هذا التَّدَرُّج في الإعلان الإلهي يستوعب الطبيعة الأوليَّة التمهيديَّة التي للعهد القديم والكلمة النهائيَّة الآتية في العهد الجديد. والقول بأنَّ العهد القديم ذو طبيعة أوليَّة تمهيديَّة لا يلغي دوره المحوري، لأننا لا نستطيع أن نفهم العهد الجديد إلَّا عندما نستوعب أيضًا العهد القديم. ويسير الأمر كذلك في الاتجاه المعاكس.

يتردَّد البعض في اعتناق “رمزيَّة المثال”، لكنَّ هذا النَّهْج يُعَدُّ أساسيًّا في علم اللاهوت الكتابي انطلاقًا من كونه لَوْنًا يستخدمه كُتَّاب الكتاب المقدَّس أنفسهم. ما هي رمزيَّة المثال؟ رمزيَّة المثال هي أوجه التناظُر والتقابُل التي قَصَدَ الله وجودها بين الأحداث والأشخاص والمؤسَّسات والأنظمة في العهد القديم وبين اكتمالها في المسيح في العهد الجديد،[10] مثلما نرى متَّى يُشير في إنجيله إلى رجوع مريم ويوسف ويسوع من مصر مستخدمًا لغة خروج إسرائيل من أرض مصر (متَّى ٢: ١٥؛ خروج ٤: ٢٢، ٢٣؛ هوشع ١١: ١). وبالطبع ليس كُتَّاب العهد الجديد فقط هُمْ مَنْ يلحظون “أوجه التناظُر والتقابُل التي قَصَدَ الله وجودها” هذه، فكُتَّاب العهد القديم يلاحظونها كذلك. فعلى سبيل المثال، يتنبَّأ كُلٌّ من إشعياء وهوشع بخروجٍ جديد يكون على غِرار الخروج الأول، وعلى نفس المنوال يتوقَّع العهد القديم داود جديدًا يكون أعظم حتى من داود الأول. نرى إذًا في العهد القديم نفسه تصاعُدًا في رمزيَّة المثال بحيث يكون اكتمال المثال أعظم دائمًا من المثال نفسه؛ فيسوع ليس مجرَّد داود جديدٍ بل داود الأعظم.

تعترف رمزيَّة المثال بنمطٍ وقصدٍ إلهيَّيْنِ في التاريخ؛ فالله هو المُؤَلِّف النهائي للكتاب المقدَّس، وقصَّة هذا الكتاب المقدَّس هي دراما إلهيَّة. هذا بالإضافة إلى أنَّ الله يعلم النهاية منذ البداية. لذا نستطيع، نحن القُرَّاء، أن نرى في العهد القديم ظِلالًا وتلميحاتٍ للاكتمال النهائي.

التوجيه: كيفيَّة تقديم اللاهوت الكتابي عند الوعظ (الجزء الثالث)

إنَّ إدراك موقع السفر الذي ندرسه على الخط الزمني التاريخي للفداء يُعَدُّ أمرًا حيويًّا عند وعظ الأسفار المقدَّسة. قد يبدو ما سأقوله مبالغةً في التبسيط إلَّا أنَّ تقديم لاهوت كتابي جيِّد عند الوعظ يتكوَّن من خطوتين أساسيَّتين: اُنْظُرْ إلى الوراء، ثم ٱنْظُرْ إلى الكل.

اُنْظُرْ إلى الوراء.. اللاهوت السابِق

يُذَكِّرنا والتر كايزر (Walter Kaiser) أنَّه ينبغي علينا أن نأخذ في الاعتبار اللاهوت السابق الخاص بكُلِّ سفر بينما نعظ الأسفار المقدَّسة.[11]

فعلى سبيل المثال، عندما نعظ سفر الخروج سنُخطِئ تقريبًا تفسير رسالته إذا قرأناه بِمَعْزِلٍ عن سياقه السابق. والسياق السابق بالنسبة لسفر الخروج هو الرسالة التي يحملها سفر التكوين. نتعلَّم في سفر التكوين أنَّ الله هو خالق كل الأشياء وأنَّه خلق البشر على صورته حتى يَمدُّوا حُكْمَه على العالم بأسره. لكن آدم وحوَّاء أخفقا في الوثوق بالله وفي طاعة الأمر الإلهي، وتَبِع ذلك السقوط الذي أدخل الموت والبؤس إلى العالم. ومع ذلك، وَعَدَ الرَّبُّ بأنَّ الانتصار النهائي سيأتي من خلال نسل المرأة (تكوين ٣: ١٥)، وسينشأ عن ذلك صراعٌ مُحتَدِمٌ بين نسل المرأة ونسل الحيَّة، لكنَّ الأول سيغلب في النهاية. ونرى في بقيَّة سفر التكوين القتال بين نسل المرأة ونسل الحيَّة، وندرك أنَّ نسل الحيَّة قويٌّ على نحوٍ ملحوظ: يقتل قايينُ هابيلَ، يَغلِب الأشرار الأبرار حتى يتبقَّى فقط نوح وعائلته، يتآمر البشر ليصنعوا اسمًا لأنفسهم ببناء برج بابل. لكن مع ذلك يبقى الرب هو صاحب السيادة؛ فَنَجِده يَحكُم على قايين، ويُهلِك الجميع في الطوفان ما عدا نوح وعائلته، ويُحبِط مخطَّطات البشر في واقعة برج بابل.

يقطع الرب عهدًا مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب يلتزم فيه بأنَّ الانتصار الموعود به في تكوين ٣: ١٥ سيأتي من نسلهم. سيمنحهم الرب نسلًا وأرضًا وبركةً تمتد لتشمل العالم أجمع. لكن سفر التكوين يُرَكِّز بشكل خاص على الوعد المتعلِّق بالنسل. بتعبير آخر، في جيلهم لا يمتلك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أرض الموعد ولا يُبارِكون العالم أجمع، إلَّا أنَّ سفر التكوين ينتهي بحكاية الأولاد الاثني عشر الذين وَهَبَ الربُّ يعقوبَ إيَّاهم.

كيف يكون إذًا هذا “اللاهوت السابق” المُتَمَثِّل في سفر التكوين محوريًّا لقراءة سفر الخروج؟ إنَّه بمنزلة الأساس. لأنَّه عندما يُفتَتَح سفر الخروج بأنَّ بني إسرائيل نَمَوْا وَكَثروا كَثِيرًا جِدًّا، نُدرِك على الفور أنَّ الوعد الإبراهيمي من سفر التكوين بأبناء كثيرين يخرجون من صُلب إبراهيم يتحقَّق بالفعل. وليس هذا فقط، فبالرجوع إلى الوراء والتفكير في تكوين ٣ نستطيع أن نُدرِك أنَّ فرعون هو من نسل الحيَّة بينما يُمَثِّل إسرائيل نسل المرأة، فضلًا عن أنَّ محاولة فرعون قتل جميع الأطفال الذكور الذين يولَدون لبني إسرائيل تُمَثِّل مخطَّطات نسل الحيَّة في إطار القتال الدائر بين النَّسلَيْنِ الذي تنبَّأ به سفر التكوين.

وبينما نواصل التقدُّم داخل سفر الخروج وباقي أسفار موسى الخمسة، نستطيع أن نرى أنَّ تحرير إسرائيل من أرض مصر والوعد بأنَّهم سيغزون أرض كنعان يُمَثِّل أيضًا تحقيقًا لعهد الرب مع إبراهيم، ويبدأ الآن الوعد بالأرض في التحقُّق. علاوةً على ذلك، يعمل إسرائيل الآن بطريقةٍ ما كآدم جديدٍ في أرضٍ جديدةٍ. ومثل آدم، يجب عليهم أن يعيشوا في إيمانٍ وطاعةٍ في هذا الفضاء الذي منحهم الرب إيَّاه.

أمَّا إذا كُنَّا قد أقدمنا على قراءة سفر الخروج من دون إعلامنا برسالة سفر التكوين السابقة، فلم نكن لندرك مغزى القصَّة، بل كُنَّا سنقرأ النص بِمَعْزِلٍ عن سياقه، ونقع فريسةً لقراءةٍ اعتباطيَّة عشوائيَّة.

تتجلَّى أهميَّة اللاهوت السابق في كافة أرجاء أسفار الكتاب المقدَّس القانونيَّة. ويجب علينا أن نكتفي هنا ببضعة أمثلة أخرى فقط، مثل:

  • يجب تفسير الغزو تحت حُكْم يشوع في ضوء العهد مع إبراهيم بحيث نفهم امتلاك أرض كنعان على أنَّه تحقيق الوعد الذي وعد به الله إبراهيم بأنَّه سَيَنعَم بأرض كنعان.
  • ومن الناحية الأخرى يُمَثِّل سبي كُلٍّ من المملكة الشماليَّة (٧٢٢ قبل الميلاد) والمملكة الجنوبيَّة (٥٨٦ قبل الميلاد)، والذي هدَّد الله به في كُتُب الأنبياء والمُسَجَّل في عددٍ من الأسفار، تحقيق لعنات العهد الواردة في لاويين ٢٦ وتثنية ٢٧–٢٨. إذا لم يكن الوُعَّاظ وشعوب الكنائس على دراية باللاهوت السابق المُتَمَثِّل في العهد الموسَوي واللعنات المُهَدَّد بها في هذا العهد، فلن يتمكَّنوا تقريبًا من تمييز المغزى من سبي كُلٍّ من إسرائيل ويهوذا.
  • تعكس النصوص التي تتكلَّم عن الوعد بداود الجديد العهدَ المقطوع سابقًا مع داود بنسلٍ سيملك إلى الأبد.
  • يجب تفسير “يوم الرب”، والذي يَبرُز بقوَّة في كُتُب الأنبياء، في ضوء الوعد المقطوع لإبراهيم.

وينطبق هذا الأمر كذلك بالطبع على العهد الجديد:

  • لن نستطيع أن نفهم أهميَّة ملكوت الله في الأناجيل الإزائيَّة إذا كُنَّا لا نعلم قصَّة العهد القديم وكُنَّا نجهل عهود الله ووعوده لإسرائيل.
  • إنَّ معنى أن يكون يسوع هو المسيَّا، ومعنى أن يكون هو ابن الإنسان، ومعنى أن يكون هو ابن الله تضرب جميعًا جذورها في الإعلان السابق.
  • يُعَدُّ سفر أعمال الرسل، كما يُشير لوقا في مُقَدِّمة كلامه، استمرارًا لمَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ؛ ومن هنا فهو مُتأثِّرٌ بكُلٍّ من العهد القديم، وخدمة يسوع وموته وقيامته.
  • تجد الرسائل أيضًا أساسها في العمل الخلاصي العظيم الذي أكمله يسوع المسيح، وتشرح لكنائس قائمة بالفعل الرسالة الخلاصيَّة وتتميم وعود الله، وتُطَبِّق ذلك على حياة تلك الكنائس.
  • وأخيرًا، يبدو سفر الرؤيا منطقيًّا كالتتويج النهائي للقصَّة؛ فهو ليس مجرَّد جزءٍ صغيرٍ زِيدَ في النهاية ليعطي شيئًا من الإثارة فيما يتعلَّق بأزمنة النهاية، بل تُبَرهِن التلميحات العديدة إلى العهد القديم في سفر الرؤيا على أنَّ هذا السفر مرسومٌ على خلفيَّة إعلان العهد القديم، وأيضًا لن يكون لهذا الكتاب أي معنى ما لم يرَ المَرْءُ أنَّه يُمَثِّل إكمال كُلِّ ما عَلَّم به يسوع المسيح وفَعَلَه.

ولا يعني هذا أنَّ قصَّة الفداء تحظى بنفس المركزيَّة في جميع الأسفار القانونيَّة للكتاب المقدَّس؛ فيمكننا أن نُفكِّر مثلًا في أسفار الحكمة، مثل: نشيد الأنشاد، أيوب، الجامعة، الأمثال، المزامير؛ إلَّا أنَّه حتى في هذه الحالات يَفْتَرِض كُتَّاب الكتاب المقدَّس مُسبَقًا الحقائق الأساسيَّة الخاصة بالخلق والسقوط الموجودة في سفر التكوين، ويفترضون أيضًا الدور الخاص لإسرائيل بصفته الشعب العهدي لله حتى إنَّهم في بعض الأحيان يُعَبِّرون عن هذا الدور كما هو الحال عندما تحكي المزامير قصَّة إسرائيل. ومع ذلك فإنَّنا ما زلنا نتذكَّر تَنَوُّع الأسفار القانونيَّة، ونُدرِك أنَّه ليس لكُلِّ قطعةٍ أدبيَّةٍ نفس الوظيفة.

إنَّ الحقيقة الرئيسيَّة هنا بالنسبة للوُعَّاظ هي أنَّه يجب عليهم أن يعظوا بطريقةٍ تجعلهم يدمجون عظاتهم في القصة الكتابيَّة الأكبر الخاصة بتاريخ الفداء. فأولئك الذين على المقاعد في الكنيسة بحاجةٍ إلى رؤية الصورة الكبيرة لما كان الله يفعله عبر التاريخ حتى الآن، وكيف يُساهِم كُلُّ جزءٍ من الكتاب المقدَّس في تلك الصورة. ما يأتي بنا إلى…

اُنْظُرْ إلى الكل.. الوعظ القانوني

لا يجب علينا كوُعَّاظ أن نَحصُر أنفسنا فقط في اللاهوت السابق، بل يجب علينا أيضًا أن نأخذ في الاعتبار كُل الكتاب المقدَّس، بمعنى أن نأخذ في الاعتبار أيضًا شاهدة الأسفار القانونيَّة التي لدينا الآن المُتَمَثِّلة في خدمة يسوع المسيح وموته وقيامته؛ فإذا وعظنا اللاهوت السابق فقط، فلن نُفَصِّل كلمة الحق بِدِقَّة، ولن ننقل رسالة الرب إلى الناس في يومنا هذا.

فعندما نعظ الأصحاحات الأولى من سفر التكوين يَتَحَتَّم علينا أيضًا أن نُعلِن أنَّ نسل المرأة هو يسوع المسيح، وأنَّ سقوط الخليقة في البُطل سينعكس من خلال عمل يسوع المسيح (رومية ٨: ١٨–٢٥). يجب أن يرى مُستَمِعونا أنَّ الكلمة الأخيرة ليست للخليقة القديمة، بل هناك خليقة جديدة في المسيح يسوع. فيجب علينا أن نُرِيهم من سفر الرؤيا أنَّ النهاية أفضل من البداية وأنَّ بركات الخليقة الأصليَّة سيتعاظم حجمها -إن جاز التعبير- بشكلٍ يفوق الحد في الخليقة الجديدة.

أيضًا، ما الذي نستطيع أن نقوله كوُعَّاظ عندما نعظ من سفر اللاويين إذا لم نعظه في ضوء الإتمام الذي حدث في يسوع المسيح؟ حتمًا يجب أن نُعلِن أنَّ ذبائح العهد القديم قد تُمِّمَتْ في عمل يسوع المسيح على الصليب.

علاوةً على ذلك، يجب تفسير الفرائض الخاصة بتشريعات الطعام والفرائض الخاصة بالتطهير على نحوٍ قانونيٍّ أيضًا (أي على نحوٍ ينظر إلى كل أسفار الكتاب المقدَّس القانونيَّة) حتى ندرك أنَّ الرب لا يُطالِبنا باتِّباع هذه الفرائض الخاصة بتشريعات الطعام أو الخاصة بالتطهير. فتلك الفرائض تُشير إلى شيءٍ أعظم: وهو القداسة والحياة الجديدة اللتان علينا كمؤمنين أن نحياهما (١ كورنثوس ٥: ٦–٨؛ ١ بطرس ١: ١٥–١٦).

وليس الحال أيضًا، كما يُعَلِّم العهد الجديد بوضوح، أنَّ المؤمنين لا يزالون تحت ناموس موسى (غلاطية ٣: ١٥–٤: ٧؛ ٢ كورنثوس ٣: ٧–١٨). فقد كان المقصود من العهد المقطوع قديمًا أن يظل ساريًا لمُدَّةٍ محدَّدةٍ من تاريخ الخلاص، أمَّا الآن، ومع طلوع فجر الإتمام في المسيح، فلم نَعُدْ تحت العهد الذي أسَّسه الرب مع إسرائيل. ومن ثَمَّ، فإنَّه من الخطأ أن نظن أنَّ القوانين المُلزِمة لإسرائيل كأُمَّةٍ ينبغي أن تُمَثِّل النموذج الذي تحتذي به الدول القوميَّة اليوم، كما يُرَوِّج أرباب مدرسة حُكْم ناموس الله (Theonomists) في يومنا هذا. يجب أن ندرك في وعظنا الفرق بين إسرائيل كشعب الله وبين كنيسة يسوع المسيح. فقد كان إسرائيل شعب الله المحكوم دينيًّا (الثيوقراطي) مُمَثِّلًا الشعب العهدي لله وفي نفس الوقت أيضًا كيانًا سياسيًّا، أمَّا كنيسة يسوع المسيح فليست كيانًا سياسيًّا بدستور من القوانين للدول القوميَّة، بل تتكوَّن الكنيسة من أُناسٍ من كُلِّ شعبٍ ولسانٍ وقبيلةٍ وأُمَّةٍ. إنَّ الفشل في تقدير هذا الفرق بين العهد المقطوع قديمًا مع شعب إسرائيل والعهد الجديد الذي قطعه المسيح بدمه قد يُلحِق بكنائسنا أضرارًا بالغة.

إذا كُنَّا لا نفهم الاختلافات بين العهد المقطوع قديمًا مع شعب إسرائيل والعهد الجديد الذي قطعه المسيح بدمه، فَسَنقضي وقتًا عصيبًا على سبيل المثال في وعظ امتلاك الأرض من سفر يشوع. من المؤكَّد أنَّ الوعد لكنيسة يسوع المسيح ليس بأنَّنا سنمتلك أرض كنعان يومًا ما! وإنَّما بمجرَّد قراءة العهد الجديد نكتشف أن الوعد بالأرض يُفهَم من خلال رمزيَّة المثال، وأيضًا يتصاعد وصولًا إلى إتمامٍ نهائيٍّ في العهد الجديد. تُوَضِّح رسالة العبرانيِّين أنَّ الوعد براحةٍ ينالها الشعب في عهد يشوع لم يكن المقصود بها أبدًا أن تكون هي الراحة النهائيَّة لشعب الله (عبرانيِّين ٣: ٧–٤: ١٣)، ويُوَضِّح بولس أنَّ وعد الأرض الذي وعد الله به إبراهيم لا يمكن حصره في كنعان بل قد امتد ليشمل العالم بأسره (رومية ٤: ١٣)، ونكتشف في رسالة العبرانيِّين أنَّنا كمؤمنين لا ننتظر مدينة أرضيَّة بل مدينة سماويَّة (عبرانيِّين ١١: ١٠، ١٤–١٦؛ ١٣: ١٤)، مدينةً عتيدةً، أو كما يُعَبِّر يوحنا عن هذا الأمر في رؤيا ٢١–٢٢، نحن ننتظر أورشليم السماويَّة، والتي لا تخرج عن كَوْنِها خليقةً جديدةً. بكلماتٍ أخرى، إذا وعظنا من سفر يشوع دون أن نُشَدِّد على ميراثنا في المسيح وعلى الخليقة الجديدة، فسنكون قد فشلنا فشلًا ذريعًا في توصيل قصَّة الكتاب المقدَّس ونحن نُفَسِّر هذا السفر. فلقد بَتَرنا الرسالة بحيث لم يتمكَّن شعبنا من رؤية كيف يتحقَّق كل الكتاب المقدَّس في المسيح وكيف أنَّ كُلَّ مواعيد الله تَجِد “النَّعَم” و”الآمِين” في المسيح يسوع (٢ كورنثوس ١: ٢٠).

إذا وعظنا الأسفار المقدَّسة وعظًا قانونيًّا باستخدام علم اللاهوت الكتابي، سنستطيع أن نُعلِن المسيح من كلا العهدين، القديم والجديد. يجب علينا بالطبع أن نتفادى خطر التبسيط المُفرِط في التفسير الرمزي، أو خطر فرض روابط بين العهدين غير موجودة في الواقع. ولن نقع فريسة لمثل هذه الأخطاء إذا أَدَّيْنا عمل اللاهوت الكتابي على نحوٍ صحيح واتَّبعنا تفسير الكُتَّاب الرسوليِّين أنفسهم. ففي النهاية، قد آمن الكُتَّاب الرسوليُّون بأنَّ العهد القديم نفسه أشار إلى المسيح وتُمِّمَ فيه، وقد تَعَلَّم هؤلاء الكُتَّاب الرسوليُّون تفسيرهم هذا على يد يسوع المسيح نفسه، تمامًا مثلما فَتَح يسوع الكُتُب أمام كِلْيُوبَاس وصديقه في الطريق إلى عمواس (لوقا ٢٤). وفي هذا الصدد، قد ادَّعى البعض أنَّ تفسير الرسل كان مُوحًى به، لكن لا ينبغي محاكاته اليوم؛[12] إلَّا أنَّ هذا الرأي مَعِيبٌ لأنَّه يقترح أنَّ الإتمام الذي رآه الرسل في العهد القديم لا يتَّفق مع ما تعنيه النصوص حقًّا. وإذا كان الحال كذلك، تكون الروابط المرسومة بين العهدين روابط اعتباطيَّة وعشوائيَّة، ولا يَصلُح الرسل (والمسيح نفسه!) أن يكونوا نماذج يُحتَذَى بها في تفسير العهد القديم اليوم.

أمَّا إذا كُنَّا نؤمن بأنَّ الرسل كانوا أُناسًا مُوحى لهم يقرَؤون العهد القديم وأناسًا حكماء في فِعْل ذلك، فيكون لدينا إذًا قُدْوَةٌ نَستَرشِد بها في قراءة كُلِّ العهد القديم في ضوء الإتمام الذي حقَّقه يسوع المسيح. فقصة العهد القديم وأنظمته تُشير جميعها إلى يسوع المسيح وتكتمل فيه؛[13] فعندما نقرأ في العهد القديم عن الوعد الإبراهيمي نُدرِك أنَّه يُتَمَّم في المسيح يسوع، والظلال المُتَمَثِّلة في ذبائح العهد القديم تجد جوهرها في المسيح، وعلى سبيل المثال أيضًا:

  • الأعياد مثل: عيد الفصح، وعيد الخمسين (الأسابيع)، وعيد المظال تُشير بالترتيب إلى المسيح باعتباره ذبيحة الفصح، وإلى عطيَّة الروح القدس، وإلى يسوع بصفته نور العالم.
  • لم يَعُد المؤمنون مطالبين بحفظ يوم السبت، لأنه أيضًا أحد ظلال العهد المقطوع قديمًا (كولوسي ٢: ١٦–١٧؛ راجع رومية ١٤: ٥)، وينتمي إلى العهد السينائي الذي لم يَعُد مُلزِمًا للمؤمنين (غلاطية ٣: ١٥–٤: ٧؛ ٢ كورنثوس ٣: ٤–١٨؛ عبرانيِّين ٧: ١١–١٠: ١٨). يَتَطَلَّع يوم السبت إلى الراحة التي قد بدأت لنا الآن في المسيح، والتي سوف تكتمل في الراحة السماويَّة في اليوم الأخير (عبرانيِّين ٣: ١٢–٤: ١١).
  • يتنبَّأ الهيكل بالمسيح باعتباره الهيكل الحقيقي، بينما يجد الختان اكتماله في ختان القلب المُرتَكِز على صليب المسيح والمضمون بعمل الروح القدس.
  • لا يُمَثِّل داود بصفته ملك إسرائيل ورجلًا حسب قلب الله أعظم ما يمكن أن يكون الَمِلكُ عليه، وإنَّما يُعتبر داود مثالًا ليسوع المسيح. فالمسيح، داود الأعظم، كان بلا خطيَّة، وهو الملك المسياني الذي من خلال خدمته وموته وقيامته قد دَشَّن إتمام المواعيد التي قطعها الله لشعبه.

إذا لم نعظ العهد القديم من ناحية القانونيَّة الكاملة للكتاب المقدَّس، فسينتهي بنا الحال إمَّا بأن نقتصر على مجرَّد دروس أخلاقيَّة من العهد القديم، أو ما هو مُرَجَّحٌ حدوثه تمامًا مثل سابِقه، سَيَندُر وعظنا من العهد القديم من الأساس. نحن نعلم كمسيحيِّين أنَّ الكثير من العهد القديم لم يَعُد يُخاطِب وَضْعنا اليوم بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، لم يَعِد الله بتحريرنا من عبوديَّة سياسيَّة كما حرَّر إسرائيل من مصر. إنَّ أرض إسرائيل غير مستقرَّة سياسيًّا اليوم لكنَّ المسيحيِّين لا يؤمنون بأنَّ فرحهم سيأتي من خلال العيش في إسرائيل، ولا يعتقدون أن العبادة تقوم على الذهاب إلى الهيكل لتقديم ذبيحة. إلَّا أنَّنا إذا لم نعظ العهد القديم وعظًا قانونيًّا في ضوء اللاهوت الكتابي، فإنَّ ما سيحدث في الكثير جدًّا من الأحيان هو تجاوُز العهد القديم في الوعظ المسيحي. وفي فِعْل ذلك، نحن لا نكتفي فقط بحرمان أنفسنا من كنوز رائعة من كلمة الله، لكنَّنا أيضًا نفشل في رؤية عُمْق الإعلان الكتابي وشخصيَّته متعدِّدة الأوجه. إنَّنا نضع أنفسنا في مَحَلٍّ لا نقرأ فيه العهد القديم كما قرأه الرب يسوع والرسل، ومن ثَمَّ لا نرى أنَّ مواعيد الله تَجِد “النَّعَم” و”الآمِين” في يسوع المسيح.

ولا تعني قراءة العهد القديم قراءةً قانونيَّة عدم قراءته في سياقه الثقافي التاريخي. فالمهمة الأولى التي تقع على عاتق أي مُفَسِّر هي قراءة العهد القديم في حدِّ ذاته مُحاولًا تمييز المعنى الذي قصده الكاتب عندما كَتَبَه. علاوةً على ذلك، وكما جادلنا أعلاه، يجب قراءة كل سفر في العهد القديم في ضوء لاهوته السابق حتى نستوعب قصَّة الكتاب المقدَّس. ولكن يجب علينا أيضًا أن نقرأ كل الكتاب المقدَّس قراءةً قانونيَّة بحيث نقرأ العهد القديم في ضوء القصَّة الكاملة، أي في ضوء الإتمام الذي جاء في يسوع المسيح.

باختصار، ينبغي علينا دائمًا أن نأخذ في الاعتبار منظور الكل -منظور المؤلِّف الإلهي- في تقديم اللاهوت الكتابي وفي وعظ كلمة الله. فينبغي علينا أن نقرأ الكتاب المقدَّس في كلا الاتجاهين: من الأمام إلى الخلف، ومن الخلف إلى الأمام، وينبغي علينا دائمًا أن نأخذ في الاعتبار تَطَوُّر القصَّة بالإضافة إلى نهاية القصَّة.

الخاتمة

إنَّ مهمَّتنا كوُعَّاظ هي الإخبار بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ، ولن نُتَمِّم دعوتنا إذا فشلنا كوُعَّاظ في تقديم اللاهوت الكتابي. قد نستقبل الكثير من الثناء من شعبنا على دروسنا الأخلاقيَّة وأمثلتنا التوضيحيَّة، لكن إذا كان شعوب كنائسنا لا يفهمون كيف يُشير كُلُّ الكتاب المقدَّس إلى المسيح، وإذا كانوا لا يكتسبون مِنَّا فهمًا أفضل لقصَّة الكتاب المقدَّس، ففي حقيقة الأمر نحن لا نخدم شعوب كنائسنا بأمانة. ليُساعِدنا الله أن نكون معلِّمين أمناء ووُعَّاظًا أمناء حتى نُحضِر كل شخص تحت مسؤوليتنا كاملًا في المسيح.


[1] وهو عمود صحفي دوري، يظهر في العديد من الصحف الأمريكيَّة، يُقَدِّم النصائح ويُجيب عن أسئلة القُرَّاء التي تخص مشاكل الحب والأسرة. وقد أسَّسته بولين فيليبس عام ١٩٥٦ تحت الاسم المستعار “أبيجايل ڤان بيورين” والذي منه جاء الاسم “عزيزتي آبي” –المترجم.

[2] D. A. Carson, “Systematic and Biblical Theology,” in New Dictionary of Biblical Theology (eds. T. Desmond Alexander and Brian S. Rosner; Downers Grove: InterVarsity, 2000), 94.

يُقَدِّم تشارلز إتش. إتش. سكوبي (Charles H. H. Scobie) تعريفًا آخر لعلم اللاهوت الكتابي: “يمكن تعريف علم اللاهوت الكتابي على أنَّه الدراسة المُرَتَّبة لفهم إعلان الله الذي تحويه الأسفار المقدَّسة القانونيَّة للعهد القديم والجديد”.

(“The Challenge of Biblical Theology,” Tyndale Bulletin 42 [1991]: 36).

[3] Brian S. Rosner, “Biblical Theology,” in New Dictionary of Biblical Theology, 5.

[4] Kevin J. Vanhoozer, “Exegesis and Hermeneutics,” in New Dictionary of Biblical Theology, 56.

[5] المرجع السابق، 56.

[6] Carson, “Systematic and Biblical Theology,” 100.

[7] Gerhard Hasel, “Biblical Theology: Then, Now, and Tomorrow,” Horizons of Biblical Theology 4 (1982): 66.

[8] للمناقشة التالية، اُنْظُرْ:

Carson, “Systematic and Biblical Theology,” 101-02.

[9] Scobie, “The Challenge of Biblical Theology,” 50-51.

[10] من أجل مدخل أكثر شمولًا واكتمالًا لرمزيَّة المثال، اُنْظُرْ:

David L. Baker, Two Testaments, One Bible (IVP, 1976), chapter 7.

[11] Walter Kaiser, Jr., Toward an Exegetical Theology: Biblical Exegesis for Preaching and Teaching (Grand Rapids: Baker, 1981), 134-40.

[12] Richard N. Longenecker, Biblical Exegesis in the Apostolic Period (2nd ed.; Grand Rapids: Eerdmans, 1999).

[13] لمعرفة أهميَّة مركزيَّة المسيح في وعظنا، اُنْظُرْ:

Graeme Goldsworthy, Preaching the Whole Bible as Christian Scripture: The Application of Biblical Theology to Expository Preaching (Grand Rapids: Eerdmans, 2000); Sidney Greidanus, Preaching Christ from the Old Testament: A Contemporary Hermeneutical Method (Grand Rapids: Eerdmans, 1999); Edmund P. Clowney, Preaching Christ in All of Scripture (Wheaton: Crossway, 2003).

المزيد المتعلق بـ : مقالات